كيف تتعاملين مع مشاعركِ بدل الهروب منها؟
![]() |
| كيف تتعاملين مع مشاعركِ بدل الهروب منها؟ |
في داخل كل امرأة منا، عالم كامل وممتد من المشاعر؛ مزيج متداخل من الفرح الطاغي والخوف المباغت، من الاشتياق العذب والألم الصامت، كله يتشكل بنعومة داخل قلوبنا. هذه المشاعر ليست مشكلة بحد ذاتها، بل هي أصدق جزء من إنسانيتكِ وأنوثتكِ. لكن التحدي الحقيقي الذي واجهته – وتواجهه كل امرأة – يكمن في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا العالم الفسيح.
كم مرة شعرتِ بشيء عميق يهز أركانكِ، لكنكِ اخترتِ إشاحة وجهكِ عنه؟ كم مرة أقنعتِ نفسكِ بأن هذا ليس الوقت المناسب، فقلتِ مستعجلة: "ليس وقته الآن!"، ثم هربتِ إلى الانشغال الزائد، وتصفح الهاتف، والتشتت، وتجنب التفكير تماماً؟ في تلك اللحظات، قد تبدين قوية وصلبة من الخارج أمام العالم… لكن في داخلكِ، هناك طفلة صغيرة تصرخ بصمت، تنتظر منكِ أن تفهميها لا أن تهمليها.
أولاً: لماذا كنتُ أهرب من مشاعري؟ (ميكانزم الحماية الخفي)
اكتشفتُ أن الهروب من المشاعر ليس دليل ضعف أو قلة وعي، بل هو في الحقيقة محاولة لا واعية من عقولنا لحمايتنا. عندما نمر بألم عميق أو خذلان ثقيل، يتدخل العقل بشكل تلقائي ليخفف العبء، فيدفعنا للابتعاد عن الإحساس بالمواجهة كنوع من التخدير المؤقت.
لهذا، كنتُ أجد نفسي ألجأ أحياناً إلى تكديس المهام، أو التشتت المستمر وسط الصخب، أو المبالغة في الاهتمام بمشاكل الآخرين لكي لا ألتفت لمشاكلي، متظاهرة بأنني "بخير تماماً". كل هذه الأساليب تبدو مريحة ولطيفة في لحظتها، لكنها مسكنات مؤقتة.
المشكلة الكبرى أن المشاعر لا تموت بالإنكار، بل تُخزن في الجسد والروح؛ تنتظر في العتمة لتظهر من جديد على هيئة قلق مستمر، أو توتر داخلي بلا سبب، أو إحساس قضم بالفراغ، وأحياناً تتحول إلى برود عاطفي مرعب يجعلكِ تشعرين بأنكِ منفصلة تماماً عن نفسكِ.
ثانياً: النقلة من "المرأة الهاربة" إلى "المرأة الواعية"
- المرأة الهاربة: تحاول جاهدة إغلاق الأبواب بوجه عواطفها، وتقول برعب: "لا أريد أن أشعر بهذا الآن، سأكون قوية"، وكأن تجاهل الحريق سيطفئه. هي بذلك تبتعد عن فهم نفسها وتعيش في اغتراب داخلي.
- المرأة الواعية: هي امرأة تصالحت مع إنسانيتها، تقف بثبات وتقول لنفسها بهدوء: "هذا شعور ثقيل يمر بي الآن، وأنا ناضجة بما يكفي لأستوعبه". لا تخاف من ملامسة حزنها أو خوفها، بل تختار أن تجلس مع نفسها، تلاحظ تدفق المشاعر بلطف، وتحتويها دون أحكام قاسية. من هذا الاحتواء تحديداً، تولد القوة الأنثوية الحقيقية التي لا تُقهر.
ثالثاً: خطواتي العملية للاعتراف بالمشاعر وتفكيكها
1. صرتُ أسمّي الشعور باسمه الحقيقي
أول خطوة اتخذتها في رحلة الشفاء هي التوقف عن الركض. صرتُ أختلي بنفسي عند شعوري بالانزعاج، وأسألها بصدق: ماذا تشعرين الآن فعلاً؟ هل هذا حزن؟ أم خوف من الفقد؟ أم غيرة؟ أم مجرد فراغ داخلي؟ مجرد إطلاق اسم واضح على المشاعر يقلل من حدتها بنسبة 50%، وكأنكِ فتحتِ لها نافذة لتتنفس بدل أن تختنق في صدركِ.
2. سمحتُ لنفسي أن تشعر (بلا مقاومة)
توقفتُ عن قمع نفسي بعبارات مثل "يجب أن أكون متماسكة" أو "لا يصح أن أحزن على هذا الأمر". القوة الحقيقية هي أن تسمحي لنفسكِ بأن تكوني إنساناً. إن شعرتِ بالرغبة في البكاء، ابكي بحرية؛ وإن شعرتِ بالضغط، انسحبي لربع ساعة وخذي نفساً عميقاً. أنتِ لستِ آلة صماء مطالبة بالكمال؛ أنتِ أنثى بقلب ينبض.
3. تحاورتُ مع مشاعري كصديقة (فهم الرسالة)
- الحزن: غالباً ما يشير إلى شيء غالي فقدناه أو لم نودعه كما يجب.
- الغضب: هو جرس إنذار يخبركِ بأن هناك حدوداً شخصية لكِ تم انتهاكها.
- الخوف: هو إشارة واضحة لحاجتكِ الملحة للأمان والدعم.
4. اتخذتُ من الورق والدعاء متنفساً (التعبير لا الكتمان)
المشاعر المحبوسة تتحول إلى سموم في الجسد. صرتُ أفرغ شحناتي العاطفية عبر الكتابة الحرة دون فلترة، أكتب كل ما يغضبني ويؤلمني على الورق حتى يفرغ عقلي تماماً. والأعظم من ذلك، هو رفع اليدين في خلوة تامة والحديث مع الله بكل عفوية وبكاء؛ فهو سبحانه يفهم الكلمات التي عجزتِ عن صياغتها، وفي محراب الدعاء تسكن الروح وتذوب الأثقال.
5. عامتُ نفسي برحمة ولطف
بدلاً من جلد ذاتي ولومها على شعورها بالضعف، صرتُ أحتوي نفسي كما أحتوي طفلة صغيرة أحبها. أقول لروحي: "أنا أسمعكِ، أعلم أنكِ تمرين بموقف صعب الآن، وهذا طبيعي جداً، أنا معكِ ولن أترككِ". الأنوثة الناضجة تتجلى في هذا العطف الذاتي الهادئ.
رابعاً: ماذا حدث لي عندما توقفتُ عن الهروب؟
- أصبحتُ أكثر وعياً وفهماً لردود أفعالي، ولم أعد أثور لأسباب تافهة لأن الدافع الخفي صار مفهوماً.
- تغيرت اختياراتي في العلاقات؛ صرتُ أنجذب للأشخاص الذين يمنحونني الأمان العاطفي، وابتعدتُ عن العلاقات المستنزفة دون ندم.
- أصبحتُ أضع حدودي بوضوح ودون أي شعور بالذنب، لأنني عرفتُ تماماً ما يؤذيني وما يسعدني.
- والأجمل من كل هذا، هو تدفق سلام داخلي دافئ وثابت؛ سلام نابع من انسجامي الكامل مع حقيقتي، بلا تزييف وبلا أقنعة.
تذكّري دائماً..
المشاعر بحد ذاتها، مهما كانت قاسية، لا تملك القدرة على تدميركِ. كبتها، وإنكارها، وتراكمها هو ما يصنع الألم الحقيقي في جسدكِ وحياتكِ. الهروب قد يمنحكِ هدنة مؤقتة لعدة ساعات، لكن المواجهة الواعية هي البوابة الوحيدة للشفاء والحرية. أنتِ أقوى بكثير مما تظنين؛ ليس لأنكِ بلا مشاعر، بل لأنكِ تملكين الشجاعة لتشعري بها، وتحتويها، وتستمري في النهوض.
