خطوات بسيطة لفهم طفولتك وتأثيرها عليكِ
![]() |
| خطوات بسيطة لفهم طفولتك وتأثيرها عليكِ |
كنتِ في موقف عادي جداً، ربما اختلاف بسيط مع صديقة، أو موقف في العمل، أو حتى نظرة من شخص لم تعجبكِ. فجأة شعرتِ بضيق أكبر بكثير مما يستحقه الموقف. بكيتِ أكثر مما توقعتِ، أو صمتِ أكثر مما أردتِ، أو غضبتِ بشكل لم تفهميه أنتِ قبل غيرك.
الإجابة في أغلب الأحيان ليست في اللحظة الحاضرة. الإجابة في مكان أبعد وأعمق، في تلك السنوات الأولى التي شكّلت ردود أفعالكِ قبل أن تعرفي حتى أنها تتشكّل. الطفولة ليست فصلاً مغلقاً في كتاب حياتكِ، بل هي الأساس الذي بُني فوقه كل شيء، طريقة تفكيركِ، طريقة حبّكِ، طريقة خوفكِ، وحتى طريقة تعاملكِ مع نجاحاتكِ وفشلكِ.
طفولتكِ لا تختفي،بل تتحول
أنا شخصياً كنتُ لفترة طويلة أعتقد أن الطفولة "انتهت" وأنني تجاوزتها. حتى لاحظتُ أنني في كل مرة يرفع أحد صوته أمامي، حتى لو لم يكن موجهاً لي، أتجمّد تماماً وأعجز عن الكلام. كردة فعل طفلة صغيرة في جسد امرأة بالغة.
علم النفس يؤكد أن الطفل بين عمر صفر وسبع سنوات يمتص كل ما حوله كالإسفنج، لأن دماغه في هذه المرحلة يسجّل دون أن يحلّل. كل جملة سمعتِها، كل موقف عشتِه، كل شعور لم يُسمح لكِ بالتعبير عنه، كلها تحوّلت إلى "برامج" تشتغل في الخلفية حتى اليوم، تؤثر في قراراتكِ وعلاقاتكِ وصورتكِ عن نفسكِ دون أن تدركي ذلك.
وأكثر ما يدهشني في هذا الموضوع أن هذه البرامج لا تشتغل بشكل واضح وصريح. تشتغل في لحظات الضعف، في الليالي الصعبة، في المواقف التي تشعرين فيها أنكِ "أصغر" من عمرك الحقيقي. هذا لا يعني أن طفولتكِ كانت بالضرورة سيئة، حتى أجمل الطفولات تترك أثراً يحتاج للفهم.
الخطوة الأولى: لاحظي ردود أفعالكِ "الغير متناسبة"
- ماذا حدث تحديداً؟
- ماذا شعرتِ في جسدكِ؟ ضيق في الصدر؟ تجمّد؟ رغبة في الاختفاء؟ دموع مفاجئة؟
- ما أول ذكرى تخطر على بالكِ حين تشعرين بهذا؟
مررتُ بلحظة لاحظتُ فيها أنني كلما طُلب مني شيء بلهجة حازمة، أسارع للموافقة حتى قبل أن أفكر، ثم أندم بعدها. حين تتبّعتُ هذا النمط وجدتُ جذره في بيئة كان فيها الرفض يعني التعرض لردة فعل صعبة. الطفلة الصغيرة تعلّمت أن الموافقة السريعة = الأمان.
الخطوة الثانية: اسألي نفسكِ ماذا تعلّمتُ من نفسي وأنا صغيرة؟
- هل تعلّمتِ أن احتياجاتكِ عبء على الآخرين؟
- هل تعلّمتِ أن الحب مشروط بالإنجاز والتفوق والطاعة؟
- هل تعلّمتِ أن التعبير عن الغضب خطر أو مرفوض؟
- هل تعلّمتِ أنكِ يجب أن تكوني "البنت الهادئة" التي لا تزعج أحداً؟
- هل تعلّمتِ أن مشاعرك مبالغ فيها وأنكِ "حساسة أكثر من اللازم"؟
الخطوة الثالثة: تحدّثي مع ذكرى واحدة فقط
![]() |
| تمرين الكتابة للتخلص من الذكريات المؤلمة |
- ماذا حدث تحديداً؟
- كيف شعرتِ الطفلة الصغيرة التي كنتِها؟
- ما الذي كانت تحتاجه في تلك اللحظة ولم تحصل عليه؟
- ماذا تقولين لها الآن لو استطعتِ؟
هذا التمرين البسيط يفتح باباً من التعاطف مع نفسكِ ربما لم تكوني تعرفين أنه موجود. كثير من النساء يبكين حين يجيبون على السؤال الأخير، ليس من الحزن فقط، بل لأنهن يدركن للمرة الأولى أن تلك الطفلة كانت تستحق أكثر مما حصلت عليه. وهذا الإدراك هو بداية الشفاء.
الخطوة الرابعة: أعيدي تفسير القصة
الأهل في أغلب الأحيان لم يقصدوا إيذاءنا. كانوا يتصرفون من جروحهم هم، من طفولتهم هم، من الضغوط التي عاشوها، ومن الأدوات المحدودة التي كانت متاحة لهم في تلك المرحلة. أب كان قاسياً ربما كان يعيش ضغوطاً لا تعرفينها. أم كانت غائبة عاطفياً ربما كانت تعاني في صمت.
فهم هذا لا يعني تبرير ما آلمكِ أو إلغاء حقكِ في الألم. يعني تحريركِ من حمل غضب يستنزفكِ ويبقيكِ أسيرة لحظة انتهت منذ زمن.و الأهم من ذلك كله إعادة التفسير تعني أن تقولي لنفسكِ بوضوح، "ما حدث أثّر فيّ، لكنه لا يحدّد من أنا اليوم، ولا يحدّد ما أستحقه من حياة وحب ونجاح."وهذه الجملة، حين تصبح قناعة حقيقية لا مجرد كلمات، تغيّر كل شيء.
الخطوة الخامسة: كوني أماً لطيفة لطفلتكِ الداخلية
هذا المفهوم قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، لكنه من أكثر الأدوات النفسية فاعلية. فكرته بسيطة: تلك الطفلة الصغيرة التي كانتكِ لم تختفِ، بل أصبحت جزءاً من داخلكِ، وفي كل مرة تشعرين فيها بخوف أو حزن أو إحساس بالنقص، هي من يظهر.
ما الذي يتغيّر حين تفهمين طفولتكِ؟
![]() |
| التحرر من سجن الأنماط القديمة |
حين تفهمين من أين أتت ردود أفعالكِ، تتوقفين عن لوم نفسكِ عليها. تبدئين تتعاملين معها بفضول بدل الخجل. تقولين "آه، هذا منطقي بالنظر لما مررتُ به" بدلاً من "ما بي؟ لماذا أنا هكذا؟"وشيئاً فشيئاً تختارين استجابات جديدة، لأنكِ أصبحتِ تريَن ما كان خفياً. لا تختفي الأنماط القديمة بين ليلة وضحاها، لكنها تفقد سلطتها عليكِ حين تعرفين اسمها ومصدرها.
فهم الطفولة ليس رحلة للماضي للبكاء عليه أو تحميل الآخرين مسؤولية كل شيء. هو رحلة للحاضر لتعيشيه بوعي أكبر وحرية أعمق وتعاطف أوسع مع نفسكِ ومع كل من حولكِ.أنتِ لستِ مجموع جروحكِ. أنتِ أيضاً قوّتكِ في البقاء، وجمالكِ في المحاولة، وشجاعتكِ في البحث عن الفهم رغم أن الأسهل دائماً هو تجاهل كل شيء والمضي قدماً. والبحث الذي بدأتِه بقراءة هذا المقال حتى النهاية، هو بداية حقيقية تستحقين أن تفتخري بها.

.webp)
.webp)